الشيخ محمد رشيد رضا

659

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

السياق والثاني أخص ويؤيده في حد ذاته قوله تعالى ( 10 : 62 أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ 63 الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ) ويجوز الجمع بينهما وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ انه لا حق لهم في الولاية على هذا البيت ولا سيما بعد ظهور الاسلام ووجود أولياء اللّه الموحدين الصالحين ، وكانوا يدعون هذا الحق بنسبهم الإبراهيمي وقد أبطله الظلم ، وبقوتهم في قومهم وإن كانت إلى ضعف ، أو لا يعلمون انهم ليسوا أولياء اللّه عز وجل ، ولا ان أولياءه ليسوا إلا المتقين فهم الآمنون من عذابه ، بمقتضى عدله في خلقه ، والحقيقون بالولاية على بيته ، على ما أعد لهم من الثواب والنعيم بفضله ، كما صرحت به آياته في كتابه . وقد أسند هذا الجهل إلى أكثرهم إذ كان فيهم من لا يجهل سوء حالهم في جاهليتهم ، وضلالهم في شركهم ، وكونه لا يرضي اللّه تعالى ، فان امتنع رؤساؤهم من الاسلام كبرا وعنادا ، فقد كان فيهم من يكتم ايمانه خوفا من الفتنة ، ويتربص الفرصة لاظهاره بالاستعداد للهجرة ، ومنهم المستعدون له بسلامة الفطرة ، وللتفاوت في الاستعداد كان يظهر المرة بعد المرة . والناس يطلقون الحكم في مثل الحال التي كانوا عليها على الجميع ويقولون إن القليل لا حكم له إن وجد فكيف ونحن لا نعلم بوجوده . ولكن اللّه تعالى لا يخفى عليه شيء ، ولا يقول إلا الحق ، ومثل هذا الحكم على أكثر الأمم والشعوب أو استثناء القليل منهم بعد إطلاق الحكم عليهم ، هو من دقائق القرآن في تحرير الحق ، وهو مكرر في مواضع من عدة سور ، وسبق تنبيهنا لهذا في تفسير ما تقدم منها . هذا وإن جماهير المسلمين في أكثر بلادهم صاروا في هذا العصر أجهل من مشركي قريش في ذلك العصر بمعنى ولاية اللّه وأوليائه - سواء في ذلك ولاية الحكم والسلطان وهي الإمامة العامة ، وولاية التقوى والصلاح ، وهي الإمامة الشخصية الخاصة ، وجهلهم بهذه أعم وأعمق ، فالولاية عندهم تشمل المجانين والمجاذيب الذين ترتع الحشرات في أجسادهم النجسة ، وثيابهم القذرة ، ويسيل اللعاب من أشداقهم الشرهة ، وتشمل أصحاب الدجل والخرافات ، والدعاوى الباطلة للكرامات ، والشرك باللّه بدعاء الأموات ، ومن أدلتهم عليها ما يتخيلون من رؤى الأنبياء والأقطاب في المنام ، وما يتزعمون من تلقيهم عنهم ما تنبذه شريعة المصطفى عليه السّلام ، حتى صار ما هم